أصوات من تحت الركام، ٣٣ يوماً من الإبادة
عن الكتاب
في صباح السابع من أكتوبر 2023، كنتُ طالبَ طبٍّ يجلس مع عائلته على طاولة الفطور، في بيتنا في حيّ الرمال. بعد ثلاثةٍ وثلاثين يوماً، كنتُ أعبر معبر رفح إلى المجهول، أنظر خلفي ولا أعرف متى أعود. بين هذين اليومين… هذا الكتاب.
أنا علي أبو ندى، من عائلةٍ فلسطينية هُجّرت من قرية دُمرة إلى قطاع غزة في نكبة عام 1948، حيث بدأت حكاية لجوءٍ ما زالت مستمرة حتى اليوم. وُلدت في ألمانيا، لكنني نشأت وتربّيت في غزة، وبقيت جذوري ممتدة إلى رمالها، وإلى الحارات التي شكّلت وعيي وهويتي. نحن أربعة إخوة: علي، وعمر، ويوسف، ومحمد، استقرّت بنا الحياة في حيّ الرمال الشمالي — حارة مسجد فلسطين — حيث أتممت دراستي المدرسية بعلاماتٍ ممتازة، وكنت من ضمن أوائل الوطن، ثم التحقت بكلية الطب البشري في الجامعة الإسلامية، أمشي على خطى والدي الطبيب.
وغزة التي أكتب عنها ليست التي رأيتموها في نشرات الأخبار. غزتنا كانت حيّةً تضجّ بالتفاصيل: بحرٌ نعرف مزاجه في كل فصل، وحاراتٌ تعرف أسماءنا، ومساجد تجمعنا في الفجر، وجلساتُ أصدقاءٍ لا تنتهي إلا لتبدأ. كانت مدينةً محاصرةً، نعم — لكنها كانت تُصرّ على الحياة بعنادٍ يشبه أهلها. هذه غزة التي يجب أن تعرفوها أولاً، لتفهموا حجم ما حدث لها.
ثم جاءت تلك الأيام التي لم تكن عادية. ثلاثةٌ وثلاثون يوماً من الإبادة، عشناها من السابع من أكتوبر حتى خروجنا القسري من القطاع. لم تكن أحداثاً عابرة، بل لحظة انكسارٍ كبرى في حياة مدينةٍ كاملة، وفي حياة عائلتنا بشكلٍ خاص. كتبي الدراسية ما زالت على رفّها في بيتٍ لم يعد قائماً، ومسيرتي التي بدأتها هناك أعادت الحرب تشكيلها من جذورها.
لن تجدوا في هذا الكتاب تحليلاً سياسياً ولا أرقاماً وإحصاءات؛ ستجدون ما رأته عيناي وسمعته أذناي وعاشه قلبي. هذه ليست قصة الحرب كلها — فلا كتاب يتّسع لها — بل قصة عائلةٍ واحدة من بين مئات آلاف العائلات، أكتبها كما كانت، بلا تزييفٍ ولا مبالغة: شهادةً للزمن، وللناس، وللذين رحلوا، وللذين ما زالوا تحت الركام.
ولن أدّعي أن الكتابة كانت سهلة. بعض هذه الفصول كتبتُه ثم أغلقتُ الصفحة أياماً، لأن الذاكرة أحياناً تحرق كرائحة الفسفور التي لا تغادر. لكنني كنت أعود، لأن النسيان خيانةٌ لمن بقوا هناك.
إلى والدي الصابر، القائم على الثغر في غزة الجريحة، الذي حمل على عاتقه مسؤولية الطب والإنسان في أصعب الظروف — أكتب هذه الكلمات بكل فخرٍ وامتنان. وإلى أمي وإخوتي وكل من كان جزءاً من هذه الرحلة.
وغزة ما زالت تسكننا أينما حللنا… وما زال في القلب ما لم يُقل بعد.
للتواصل
Platzhalter: Kontaktangaben folgen, sobald du sie lieferst.